محسن مهدي وفلسفة الفارابي السياسية

المقاله تحت باب  في السياسة
في 
18/01/2011 06:00 AM
GMT



رحل عن عالمنا قبل ثلاث سنوات المفكر العراقي محسن مهدي، ومحسن مهدي الذي يجهله العرب ومواطنوه أيضاً، كان أستاذ كرسي الدراسات الإسلامية في جامعة هارفرد، وهو من ألمع المعاصرين في بحوث الفلسفة الإسلامية وفلسفة الفارابي على وجه التحديد. وبالإضافة إلى تحقيقه النسخ الأصلية لألف ليلة وليلة وشروحه وتعليقاته القيمة عليها التي تعد من أهم ما كتب في هذا الميدان، نشر أطروحته "فلسفة ابن خلدون التاريخية" التي نالت تقدير الباحثين العرب والأجانب على رغم ما صدر عن هذا الموضوع من مؤلفات كثيرة. اضافة إلى كتابه عن الاستشراق والإسلام والبحوث الذي قارب فيه مواضيع تخص فلسفة الأنوار وكتاّب عصر النهضة الأوربيين والمسلمين.

نشرت دار الفارابي ببيروت السنة المنصرمة كتابه "الفارابي وتأسيس الفلسفة السياسية" الذي قامت بترجمته وداد الحاج حسن، وهو كتاب ضمن مصنفّات كثيرة نشرها بالانكليزية والعربية عن الفارابي، وبينها مخطوطات نادرة حققها وعلّق عليها.

في هذا الكتاب يحيل محسن مهدي مصادر فلسفة أبو نصر الفارابي 870 ـ 950، وخاصة تلك التي تتعلق بالتوفيق بين الملّة والمدنية، إلى الأساتذة النسطوريين وكتابات المفسرين الأفلاطونيين المحدثين من مدرستي أثينا والاسكندرية. بيد أن الفارابي كما يرى مهدي، استطاع انتقاء عناصر من هاتين المدرستين تخدم تصوره عن الفلسفة المدنية الأفلاطونية ورفعها إلى مرتبة علم يسمح بدراسة ملل الوحي وطرق نفوذها داخل المجتمعات، وكذلك دراسة المجتمعات عينها المستندة إلى تلك الملل.

يشرح مهدي في مقدمة كتابه الموجبات التي دعت تلامذة الفارابي الكبار ابن سينا وابن رشد، منحه لقب المعلم الثاني، بعد أن كان لهم أرسطو المعلم الأول.

وأهمية الفارابي في تاريخ الفلسفة تقوم، كما يكتب مهدي، على أنه أول فيلسوف طوّر فلسفة للملّة تعتمد في أساسها على التراث الفلسفي الأفلاطوني والأرسطي، وعلى الفلسفة المدنية الأفلاطونية على نحو خاص، عارضاً إياهما في سياق مماثل لسياق الجمهورية والطيماوس والنواميس لأفلاطون. كما كان الفاربي على اطلاع على الأفلاطونية المحدثة واندماجها في اللاهوت المسيحي حين كان الأخير مسيطراً كلاهوت فلسفي عبر أساتذته وطلابه في بغداد. استوعب الفارابي قيمة التراث الفلسفي الأفلاطوني المحدث في مشروع التوفيق بين الفلسفة والعقيدة المتشددة.

على هذا، يرى مهدي، أن الفارابي هو الفيلسوف المدني بامتياز، ففي "مصنَف إحصاء العلوم" الذي كان متداولاً بالعربية والعبرية واللاتينية، وضع الفارابي لبنات هذا المنهج، وهو مخصص للمبتدئين وطلاب المعرفة، والقصد منه التعريف بمجمل العلوم المشهورة: علم اللسان، والمنطق، علوم التعاليم، العلم الطبيعي والعلم الإلهي (ماوراء الطبيعة)، العلم المدني، وعلم الفقه، وعلم الكلام.

ويخرج المؤلف بعد بحث باستنتاج يرى فيه أن هذا التصنيف يفصل العلم الإلهي عن علم الكلام بواسطة العلم المدني وعلم الفقه، ويرى أن مرجع الفارابي في العلم المدني "الجمهورية" لأفلاطون و"السياسة" لارسطو، وهذا العلم الذي يسميه الفارابي الفلسفة المدنية، يبحث في المُلك والملكية، والمدن والأمم، العلم والفلسفة، غير أنه لا يأتي على ذكر علم الكلام والفقه والملة.

يقول مهدي إن فلسفة القرون الوسطى المدنية هي، إلى حد بعيد، فلسفة للدين، تماما كما كانت الفلسفة المدنية القديمة فلسفة للمدينة، ومثلما هي فلسفة المدينة المعاصرة فلسفة للدولة. وهكذا يصبح بمقدور الفارابي على ما يقول مهدي، أن يضع الفلسفة المدنية للقدماء مع علم الفقه وعلم الكلام، وهو بهذا يشير إلى مهمة الفلسفة المدنية غير المنجزة: اي مهمة تطوير فلسفة الملّة، أو فلسفة الدين.

"المدينة الفاضلة" كتاب الفارابي الأكثر شهرة، سعى إلى مهمة التوفيق بين أفضل الأنظمة، كما فهمها أفلاطون على نحو خاص، وبين الشريعة الإلهية الإسلامية.

ويرى مهدي ان هناك أوجه شبه بين ميزات الإسلام والنظام الخيّر كما تصورته الفلسفة الكلاسيكية، أو كما تصوره أفلاطون في الشرائع، وكلاهما يعتبر أن المعتقدات الصائبة حول الكائنات الإلهية وعالم الطبيعة، هي أساس إنشاء نظام مدني خير.

في المدينة الفاضلة التي تصورها الفارابي لا يمكن إدراك السعادة دون معرفتها أولاً، فالتمييز بين الفضيلة والرذيلة يفترض مسبقا معرفة ما هو الكمال الإنساني، أي ماهي السعادة، وكذلك التمييز بين الأفعال الجميلة والخسيسة، ولن يدل الإنسان على هذا سوى ملكة العقل.

تعريف الفارابي للمدينة الفاضلة، بأنها المدينة التي يجتمع فيها البشر ويتعاونون من أجل أن يصبحوا فضلاء، وبالجهد المدبّر للرؤساء والمواطنين، وقدر ما تلتقي تلك التعليمات بمزايا الإسلام، قدر ما يكون للرياسة فيها جانب مما بشّر به نبي الإسلام ملته.

الرئيس ـ الفيلسوف أو الرئيس ـ النبي، يشكّلان صلة الوصل بين الموجودات الإلهية العليا وبين المواطنين في المدينة الفاضلة، وفي حالة موت هذا الرئيس أو النبي، يقترح الفارابي أن يتولى الرياسة إنسان حكيم وآخر يمتلك الصفات التي لا يملكها الأول، وتقوم الشرائع بمهمة تنظيم شؤون المدينة الفاضلة التي يسير عليها الحكّام في المستقبل. والديمقراطية شرط المدينة الفاضلة، والمبدأ الأول لها هو الحرية، والمبدأ الثاني المساواة، ويحدد هذان المبدآن أساس السلطة والعلاقة بين الرئيس والمرؤوس، وموقف المواطنين من بعضهم.

يرى محسن مهدي أن العقائد التي يشرحها هذا الكتاب تقع في مكان بين المعرفة النظرية والمعرفة العملية من جهة، والمعتقدات المُقترحة التي يفترض أن يعتنقها المواطنون. والفارابي على هذا الأساس، كما يقول، طوّر فلسفة ملية تنظر إلى الظاهرات الجديدة وإلى الرابط الإنساني بين ما هو إلهي وبين الاجتماع الملي، مدفوعا بحس الدهشة نفسه الذي دفع الفلاسفة اليونانيين إلى تفحص الطبيعة.

لعل هذه القراءة المركّبة والدقيقة لفكر الفارابي ومدينته الفاضلة، تمنحنا اطلالة على شغل محسن مهدي المفكر اللامع، الذي حاول استقراء تأثيرات البعد العقلاني والبرهاني لفلسفة الفارابي في الفكر الإسلامي واليهودي في الأندلس وانتقاله الى الغرب.

ولد محسن مهدي في كربلاء العام 1926، اي انه كان من جيل السياب والبياتي، ودرس في الجامعة الاميركية ببيروت في الأربعينيات، ونشر مجموعة بحوثه في الانكليزية في المجلات الأكاديمية الاميركية والاوربية، إلى أن استقر أستاذا ثم رئيس قسم في جامعة هارفرد. ومع ان العروي والجابري وعددا من الباحثين الاجانب والايرانيين والاتراك يرجعون الى مهدي في بحوثهم، غير اننا كعراقيين لم نكتشفه إلا على نحو متأخر، واعترف انني مررت على اسمه في كتاب التاريخ للعروي الذي قرأته قبل عشر سنوات، دون أن أحاول تطوير معارفي به، ففاتني منه علم كثير. ولم ينتبه اليه من العراقيين سوى الشاعر والباحث والمترجم كاظم جهاد الذي نشر بعد وفاته مباشرة دراسة عنه، كانت تغطية لأهم مفاصل فكر محسن مهدي، هذا المفكر الذي تليق به هذه التسمية.